ابن حزم

146

رسائل ابن حزم الأندلسي

كان سُكنى كل امرئ ( 1 ) منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل الخلافة ، ولا أكثروا احتجان الأموال ، ولا بناء القصور ، ولا استعملوا مع المسلمين أن يخاطبوهم بالتمويل ولا التسويد ( 2 ) ، ويكاتبوهم بالعبودية والملك ، ولا تقبيل الأرض ولا رجل ولايد ، وإنما كان غرضهم الطاعة الصحيحة من التولية ( 3 ) والعزل في أقاصي البلاد ( 4 ) ، فكانوا يعزلون العمال ، ويولون الأخر ، في الأندلس ، وفي السند ، وفي خراسان ، وفي إرمينية ، وفي اليمن ( 5 ) ، فما بين هذه البلاد ( 6 ) . [ وبعثوا إليها الجيوش ، وولوا عليها من ارتضوا من العمال وملكوا أكثر الدنيا ، فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض ، إلى أن تغلب عليهم بنو العباس بالمشرق ، وانقطع به ملكهم ، فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس ، وملكها هو وبنوه ، وقامت بها دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة ، فلم يك في دول الإسلام أنبل منها ، ولا أكثر نصراً على أهل الشرك ، ولا أجمع لخلال الخير ، وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن ، وذهب بهاء الدنيا بذهابها ] . وانتقل ( 7 ) الأمر [ بالمشرق ] إلى بني العباس بن عبد المطلب رضوان الله عليه ، وكانت دولتهم أعجمية ، سقطت فيها دواوين العرب ، وغلب عجم خراسان على الأمر ، وعاد الأمر مُلكاً عضوضاً محققاً ( 8 ) كسروياً ، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة ، رضوان الله عليهم ، بخلاف ما كان بنو أمية يستعملون من لعن عليّ ( 9 ) ابن أبي طالب رضوان الله عليه ( 10 ) ، ولعن بنيه الطاهرين من بني الزهراء ؛ وكلهم كان على هذا حاشا عُمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد رحمهما الله تعالى فإنهما لم يستجيزا

--> ( 1 ) البيان : أمير . ( 2 ) يبدو أنه يقصج " بالتمويل " قولهم : " يا مولاي " ، كما يقصد " بالتسويد " قولهم " يا سيدي " ؛ وفي البيان : ولا طلبوا مخاطبة الناس لهم بالتمويل والعبودية والملك . ( 3 ) البيان : والتولية . ( 4 ) البيان : بلاد الدنيا . ( 5 ) البيان : في السند والهند وفي خراسان وفي إرمينية وفي العراق وفي اليمن وفي المغرب الأدنى والأقصى وبلاد السوس ويلاد الأندلس . ( 6 ) فما بين هذه البلاد : سقطت من البيان المغرب . ( 7 ) يستمر ابن عذاري بنقل هذا النص ( 2 : 40 ) . ( 8 ) محققاً : لم ترد في البيان . ( 9 ) البيان : بخلاف ما كان عليه بنو أمية من استعمال ذلك في جانب علي . ( 10 ) زاد في البيان : وكفاهم ذلك قبحاً وباطلاً .